سبتمبر 2020
في الصباح الباكر، كنت في طريقي الى الجامعة، مستقلة المترو الجديد الذي تم بناءة في وسط شارع العباسية...
كانت العادة جارية على المزاحمة للدخول، فلم يختلف في شيء عن مترو الأنفاق الذي طالما قصت أمي علي حكايات معاناتها فيه. ولكن هذا اليوم كان المترو فارغاً تماماً، فقد كان أول يوم في الدراسة، والطلاب لا يزالون ينعمون بأسبوع أخر من النوم والإسترخاء.
والعجب كل العجب، انني دخلت المترو بجانب منزلنا، ووجدت مقاعد فارغة للجلوس، فجلست وانا أنعم نظري بالفراغ من حولي.
المهم انني اخترت مقعد بجانب النافذة، وأرخيت رأسي على مسند المقعد، في إنتظار وصول المحطة.
وبينما انا جالسة أراقب من حولي، واستمتع بالنظر من النافذة، وبمشاهدة السيارات والحافلات وهي تمتليء بالبشر "كبطن الدودة"، إذ بالمترو يتوقف ويظلم تماما...
ظننت ان المصابيح قد تعطلت وانه سرعان ما يبدأ في السير مرة أخرى. ولكن الوقت مر ولم يتحرك قيد أنملة، حتى جاء السائق وأعلن ان المترو به عطل، وسيلتلزم عشرون دقيقة حتى يعمل من جديد. وقال ان من يود النزول ليلحق بالحافلة، فليكن، ومن يود المكوث والانتظار، فليمكث.
وبما إنني لا أعرف سبيلاً آخر للوصول للكلية، وبما انه لا يتبقى على المحاضرة الأولى سوى خمس دقائق، لن يسعفوني للحاق بالحافلة، فقد فضلت البقاء في المترو حتى يتم إصلاح العطب. فضلاً عن ذلك، فقد خلى المترو تماما من الناس الذين أسرعوا للحاق بأي وسيلة مواصلات تقيلهم لأعمالهم.
كنت أهم بوضع السماعات في أذني، لأستمع شيء من الموسيقى حتى يتحرك المترو، فإذا بي استمع الى نواح وبكاء، يحمله الريح من الجانب الأيمن، من ناحية النافذة.... لم أعي في البداية من الذي كان يبكي... نظرت يميناً ويساراً قلم أرى أحداً، فقد كان المترو شبه خالي الأن، إلا من رجلين نائمين تماماً، وسيدة تحيك ثيابها على ضوء الصباح.
ظننت انه من وحي خيالي، ورفعت السماعات وكدت أضعها في أذني، فإذا بي أسمع البكاء من جديد، تحمله الرياح من بعيد، ومعه صوت شبه آدمي، يتكلم ببطء شديد وبحزن عميق، تكاد تسيل معه الدموع سيلاً.
نحدث الصوت... ورغم أني لم أتبين من أين يأتي، إللا إنني أنصت بإهتمام شديد، وشحذت كل حواسي لتفسير الكلمات التي يقولها الصوت....
كان الصوت ينوح بشدة، وتصفر معه الرياح صفيراً حاداً:
" يالحكايتي التي لا أفتأ أعيدها على سمع الزمان....
يالجرحي الذي لا أجد له دواء، رغم مرور الوقت، وزوال أسباب الحزن الى ما بين الثرى...
يا حبيبة الروح، أين أنتي من هاك الوقت الحزين، الذي أصبح قفراً دونكِ......"
صمت الصوت للحظات، مرت علي كأنها ساعات، وقد خيل لي ان العالم توقف من حولي، وقد خلا من الجميع، ولم يعد سوى الصوت، وأذني المنصتة بإهتمام شديد.
لحيظات قليلة، وسمعت زقزقة طير... زقزقة حزينة، لها صدى كما لو كان عصفور عجوز، أخذ الزمان منه ما أخذ.
وبدأ الصوت يتكلم من جديد:
" هل جئت يا صديقي؟
كم أكون سعيداً عندما أراك !
فأنت الذكرى الوحيدة الباقية منها... من حبيبة الروح"
يصمت الصوت، ثم ترتفع زقزقة العصفور عدة ثواني، ثم يعود الصوت فيقول:
" حسناً يا صديقي... لقد ظننت أنك سئمت القصة، ولكن إذا كنت تحب، سأقصها عليك من جديد... ...
دعني أستعيد الذكرى"
ولم تمر لحظات أخرى، حتى بدأ الصوت العميق يقص على العصفور:
" لقد وُلِدتُ هنا، في هذه القطعة من الأرض، وهنا تعرفت عليها، حيث ولدت هي على ذلك الرصيف المقابل، في مكان ذلك الشيء اللعين الذي يطلقون عليه مترو.
رأيتها، وأزهلني إخضرار أوراقها، وسلبني إستقامة عودها البني، وإزدهار الأزهار من حولها.
نمت أمامي، وكل يوم كان إزدهارها يخلب لبي أكثر وأكثر...
حييت من أجلها، وتمنيت لو أعطيتها حياتي...
بحثت عن المراسيل... ترجيت الطيور أن تخبرها عن حبي، وكنت أنت يا صديقي من إستجاب لي في شبابي، وذهبت لتبث لها أشواقي...
ولم تُرسِل الجواب، وطال الإنتظار، وتفطر القلب من فرط الشوق، وأحاط بي اليأس وظننت أنها لم ولن تبادلني الحب.
حتى فاجأتني ذات صباح زهرة من زهورها اللاتي ترعاها، بأنها تبادلني الحب، أرسلتها مع الهوا الطائر، بعطرها الرقيق الذي شرح صدري وأثلج قلبي.
وبدأت أيامي تهنأ بحبي، مع من أذاقتني حلاوة الحياة.
كنت أبعث إاليها بحبوب اللقاح مع الفراشات الرقيقة، والهواء الطائر، وكانت هي تحفظها فتنبت الفاكهة مع زهور الربيع، التي لطالما نالت إعجاب البشر من حولنا.
على مدى سنوات عدة، نتبادل الحب، ونحيا على شدو الطيور، وعطر الزهور، وبديع ألوان الفراشات.
عانينا كثيراُ... شربنا كئوس المر... وحبيبة روحي تمرض من حين الى آخر لكثرة ما تمتص من عوادم وأدخنة، التى قطعت صدرها، وأحرقت قلبها.
فقد كانت حبيبتي ملاك رقيق، تفضل الآخرين على نفسها، وتشرب الكثير والكثير من السموم التي تملأ الهواء، فقط لتحمي بني البشر. وقد كنت أشاطرها العمل، ولكن كان يعتصر قلبي مرضها، فقد ولدت ضعيفة، ذات جذور سهلة الكسر، سريعة الذبول.
كنا راضيين بحياتنا معاً، حتى جاء اليوم المشئوم... ... ... "
توقف الصوت قليلاً، وخيل لي أن قلبي توقف معه...
لم يكن من السهل علي تصديق ما أسمعه، وكان من المستحيل ان اترك المكان دون ان أستمع الى باقي القصة، وحمدت الله أن المترو متعطل.
إرتفع صوت البكاء، مع الزقزقة الحزينة، ثم بدأ الصوت يتحدث من جديد:
" كان أسوأ أيام عمري...
رأيتهم يأتون من بعيد، وفي أيديهم الفئوس، والمكينات الصغيرة...
لم أفهم في بادىء الأمر ما يرمون اليه...
راقبتهم، بينما هم متجهون الى أول الأصدقاء...
و ....
وانهالوا عليها ضرباً بالفئوس....
كاد قلبي يُصرَع من فرط الرعب !!!
لم أستطع التخيل !!
سيقتلونها !!
سيأخذونها وهي التي طالما ضحت بنفسها من أجلهم !!
لا.... لا.... لن يفعلوا...
تمسكت بالأمل وآزرتها... طمأنتها أنهم لن يمسوها، فقد خدمتهم بقلبها....
بكت حبيبتي....
وكان لوقع بكاءها خناجر تمزق أحشاءي...
تمنيت لو افتديتها بحياتي....
ولكن.... (وهل تأتي الرياح بما تشتهي السفن؟)
منذ متى والحياة تعطي ما يشتهيه القلب؟؟
رأيتهم...
يقتربون...
حان دورها...
صرخت !!
أشهدت الرياح....
رجوت الطيور....
استغثت بالفراشات....
ولكنهم كانوا أضعف من إرادة بني البشر، الذين تحجرت قلوبهم، وأصبح الصخر أكثر ليناً منه ورحمة.
انهالوا عليها بالفئوس....
لاااااااااا !!!!!
حبيتي !!!!!!!
حبيبة عمري !!!!!
ولكن.... لا حياة لمن تنادي...
قتلوها....
حملوها....
ومع الرياح، أرسلت لي كلمة "أحبك"، مع خروج آخر أنفاسها....
ذهبوا بها..... الى أين حبيبتي؟؟؟
لا أدري ....
وأين هي الأن؟؟؟
حياتي قفر دونها....
لم أعد أريد الحياة... فليقطعوني، ولأذهب اليها "
سكت الصوت... وهدأ النواح... وارتفعت زقزقة العصافير الحزينة.
أدرت رأسي الى اليمين في سرعة، من حيث يأتي صوت الطيور، ويالهول ما رأيت !!
رأيت شجرة عملاقة، فروعها ممتدة وكثيرة، ولكن لا يوجد بها ورقة خضراء واحدة، أسمع من أسفلها صوت تمزق شديد.... وصرخة عصفور، أصمت أذني...
ثم هدأت الأصوات جميعها، الا من صوت أقدام تأتي من بعيد...
رأيتهم...
يحملون الفئوس...
ينهالون عليها...
يحملونها....
" الى أين؟؟؟
لا أدري "
ثم فجأة !
أوقد مصباح المترو، وأغمضت عيني بشدة كما لو كنت نائمة، او كما لو كان الظلام سائداً منذ لحظات...
أطلق المترو صفارته، وامتلأ بالناس في ثوان معدودة...
ثم انطلق...
ولكن ذهني لم يستطع نسيان ما حدث في ذلك اليوم...


3 comentarios:
واول تعليق
احجززززززززززززز
قصه جااااامده وتحفه زي ما قلتلك قبل كده بجد بجد
ابدعتي فاوجزي فانجزي
تحياتي ليكي يا عسلايتي
ربنا يخليكي يا رورو، رأيك تشجيع ليا والله
إرسال تعليق