الثلاثاء، 9 أبريل 2013

عودة إلى الخلف


كدت أن أنسى كيف تكون أحلام الصبا...
أو على الأحرى، أحلام الصبايا، ذات الضفائر السوداء اللامعة، والمآقي المضيئة بالأمل، والقلب الفضفاض، والبسمة التي خُطَّت بقلم سكران طربا، والمشاعر التي فاضت عشقًأ فأغرقت الجسد المنتشي، والعقل المُنذِر، والأذن المتجاهلة لبيان العقل وعظته، والمطأطئة هامتها لربتات الزمان الجديد
كدت أنساها وأنا أتذكر تفاصيلها...
ما عشتها في واقعي...
سمعت عنها وحُرِمتُ منها...
وتجلدت حتى نسيتها، وان تذكرت تفاصيلها
والآن...
أعطوني الضفائر، والعيون السوداء، والقلب الصغير، والعقل الضعيف، والأذن الفارغة المترقبة، والجسد المأمور سمعًا وطاعة...
ومعه تذكرة عودة...
إلى أعوام قد خلت...
ترى...
أيكون لي أن أعود؟
أنا ابنة العشرين
ماتت أمي وأسلمتني للثلاثين
ما عِشتُ فيكي يا أمي إلا أحلام لم أرى منتهاها
توقف القطار عندما أغمضت عيني، فاستيقظت فإذا بي في الثلاثين
وبعد كل هذا الزمان، وبعدما خط الشيب ملامح وجه هذا القلب، تأبى مربيتي إلا أن ترسلني إلى حيث استنشقت  عبق أمي الراحلة
تدهشني حواسي...
فبغمضة عين انتقلت من زمان إلى زمان...
وتنسمت ريح نقلتني هي الأخرى من زمان إلى زمان...
روحي تهيم شوقًا للقياه... من أمسك حنوه بيدي، وسار معي الهوينى إلى الخلف، إلى حيث انتهت أحلام الصبايا، إلى حيث لقيت أمي وعشتُ آمالي فيها، إلى زمان خلته ولَّى بلا رجعة
عجبت لَكَ يا قلب
كنت قد ركنت الى الشيب الذي خط فوديك، واطمأننت إلى ما ظننت، وأعطيتك مفاتيح عمري لتعبث بها ما أردت، وكلي ثقة انك أقوى من أيدي الزمن
وخيبت أملي ورجاءي... دفنت الشيب ولبست رداء الصبايا من جديد، وعدوت في سماء ليست بسماؤك، ونهلت نهلًا من أمطار الهوى التي صبغت السحب بلون وردي، زان زرقة السماء وعانقها...
ومددت يدك تحوي الحنو مرشدي، بين طرقات الكون المحب المتعانق الذي رقص على دقاتك المغتبطة
أما العقل...
أه العقل! كنت قد نسيته!
حتى صرخاته ضاعت هباءًا...
فبي من النشوة ما يسكرني ويسكر أعضاءي وحواسي...
حتى لا أستمع إلا ما يطرب القلب ويحمله إلى السماء الهائمة عشقًا
انه يصارع  الموج، فيلتقط أنفاسه تلاحقًا...
ويهزمه الموج...
فتخور قوى أعضاءه... فيستسلم... ويجلس يهذى، وتصارعه الكوابيس فيصرخ وينادي على من أفقده الأمل في الحياة
يتحدث الناس عن الصراع الأبدي بين العقل والقلب
ولكن يا ترى، هل عَرِفَ التاريخ عقل وقلب غرق كلاهما، كلٌ في بحره، فمات أحدهما وعادت الحياة الى الآخر؟
انه في هذا الزمان الذي ليس بزماني
في هذه الساعة، في هذا اليوم، في ذاك الشهر...
شهد التاريخ اني لا أملك من أمري شيئًا
ان قوى حواسي التي نقلتني من زمان إلى زمان شُلَّت وتوقفت هنا، على أرض ليست بأرضي، في زمان لم أرد معرفته ولا مصاحبته
ولكني كنت كالمسحورة المسجاة الى حيث لا أدري
على خطاه سرت
أنتقل طائرة بخطوات واسعة...
أصعد أبراجي التي بنيتها صغيرة...
لم تقوى أيادي الزمن على هدمها...
أخفتها ووارتها
وعدت إليها مغمضة الأعين، اسيرة الفؤاد...
سحرني آسري...
لقيني مغمضة الأعين فجذبني...
وما أن التقت عيني بعيناه حتى ارتوت...
رُبَّ نبع في عينين حائرتين تذوبان عشقًا، أفضل من نبع في صحراء قفر للسائر الظمآن...
هاتان العينان...
حسبتهما لا تبكيان...
أتبكيان؟
أخالهما تغدقان فتنبتان الزهر والفرع
يحكم إغلاق الأسر على عيناي كما أحكمه على قلبي...
وتتوالى الهزائم والخسائر
قلبي فعيناي فأذناي فلساني
يسيطر على جوارحي وكياني
ويمضي...
إلى الخلف
وأنا أمامه أسير... الى الخلف
يمنحني قوة وضعف
أتساءل بين حناياي...
أأنا الأسيرة؟
نعم أنا... وياللعجب
فمن أزهار الكون وفراشاته ما لذ وطاب للسامع والناظر والذاكر
ولكنه أسرني أنا من دونهم...
عجبًا للآسر الذي انتقى...
وعجبًا للأسير المنتشي بالأسر، السكران سمعًا وطاعة
وبحثت في طيات الزمان عن رسالة...
تنتشل العقل، غريق للدموع والسعادة...
والرسالة كانت
"أيا قلبي الحيران لا تنتشي...
سرت للخلف وانشغلت بآسرك عن الدماء التي سالت من قدميك...
ولسوف تعود عاجلًا غير آجل إلى نقطة البداية...
ولكن بعد أن تموت استغاثات العقل الملهوف في خضم الأماني والأوجاع"
ومازلت حيرى...
أنتظر آسري وانتظر...
تحكمات القدر

0 comentarios: