كان الجو صباحاً، وقد أشرقت الشمس على ربوع الدنيا، وبدأ الطقس صحواً ومليئاً بالحيوية.
و في داخل المنزل، ارتفع صوت المنبه الصغير الذي وضعه بجانب الفراش، وقد دقت الساعة الثامنة.
لقد سهر كثيراً ليلة البارحة، ولكنه لا يستطيع أن يتغيب عن الميعاد المتفق عليه منذ أسبوع مضى.
تثائب بشدة، ثم نطر الغطاء من فوقه، وذكر الله، ثم قام ليسلم على أمه، ثم توضأ فصلى ركعتين، وجلس يفطر معها. وأخيراً ارتدى ملابسه وذهب ليلحق بالحافلة.
وفي طريقه الى الموعد، لم ينسى أن يذكر ربه، فقد تربى على ذلك، عودته أمه الغالية منذ صغره على الصلاة، والذكر، والتسبيح، ولم ينسى هو ما لقنته إياه.
وصلت الحافلة الى المكان المنشود، فنزل من الحافلة والقى نظرة على ملابسه، وتأكد من نظافتها، ثم مر بيده على رأسه، ليتأكد أن شعره ما زال مصففاً.
سار قليلاً حتى وصل الى مبنى ضخم، كُتِبَ عليه بالخط العريض، اسم شركة للاستيراد والتصدير.
انه ثالث عمل يتقدم اليه في خلال شهرين، كم يتمنى ان تمر المقابلة على خير هذا المرة، فكل مرة كان يجد حائلاً ما، يحول دون الإستمرر في العمل.
ففي المرة الأولى، كانت العاقبة المسافة، فقد ظن ان العمل على مقربة من منزله، او على الأقل في القاهرة، ولكنه فيما بعد اكتشف ان مقر العامل الاساسي في محافظة أخرى مجاورة، وكان من المستحيل ان يترك أمه، ليسعى وراء عمل بعيد، فهي وحيدة، لم يرزقها الله غيره، إضافة الى وفاة والده منذ عامين، ونفاذ أغلب ما ادخره من أموال.
والمرة الثانية، ظهرت في البداية يسيرة، وتقيد بالعمل، وبدأ في إنجاز مهامه كسكرتير في شركة تصنيع السيارات، ولكن هذه المرة لم يترك عمله لمسافة أو مرتب، فقد غضب مديره بشده عندما دخل عليه مكتبه وقت صلاة العصر، ولم يجده. قال له انه كان يصلي العصر في المسجد بالقرب من المكتب، ولكن هذا لم يرضي المدير، ونعته بالإهمال وعدم تحمل المسئولية، فما كان منه إلا ان اعتذر بتهذيب شديد، وقدم إستقالته.
وها هو ثالث عمل يتقدم اليه... انه بحاجة ماسة الى العمل، حتى يخرج وأمه من نطاق الفقر الذي يحيون فيه، فمعاش أبيه، الذي كان يعمل في موظف في شركة حكومية، بالكاد يكفى لسد رمق العيش.
دخل مقر العمل، وقدم أوراقه للسكرتيرة، وقال انه جاء للوظيفة الخالية، وانتظر حتى يأتي دوره في المقابلة.
كان يعلم ان شهادته العلمية ليست جيدة بالقدر الكافي لتجعله على رأس المتقدمين للوظيفة، ولكن إيمانه بالله وثقته فيه كانوا بلا حدود، كان يعرف انه طالما اتقى الله في حياته وبيته وعمله، فسيحفظ الله له الأفضل. انه يثق ان الله عدل، ولا ريب، يترك له الأفضل، حتى ولو ظن هو بما كًتِبَ له سوء.
أفاق من شروده على صوت السكرتيرة، وهي تنادى على اسمه المسجل أمامها في الأوراق، فتوكل على الله ودخل الغرفة التي أشارت اليها.
ومرت عليه نصف ساعة بالداخل، سُئِلَ خلالها عن إمكانياته، وخبراته، ومواهبه، وظروفة الإجتماعية، وما الى ذلك... ثم قِيلَ له انه سيتم الإتصال به في خلال اسبوعين، إذا تم قبوله في الوظيفة.
شكرهم، وذهب، حامداً ربه في سره، ثم استقل الحافلة عائداً الى بيته.
وعند وصوله، قص على أمه ما حدث، فدعت له ان يكتب الله له ما يراه خيراً... ثم تغذوا، وذهب هو لصلاة المغرب في المسجد، ثم عاد ليستريح قليلاً حتى صلاة العشاء.
ومر ما تبقى من اليوم في هدوء، وسارت الأيام بعده رتيبه، لا جديد فيها، في إنتظار مكالمة من الشركة، أو تيسير من الله الى ما هو أفضل. ولكن الأسبوعان مروا، ولم يتصل أحد، فعرف أن قدر الله لم يحن بعد، ولكنه لم ييأس، وظل طوال شهر أخر يبحث عن عمل... ولكنه لم يجد.
وفي يوم، دعاه أحد أصدقاءه الي بيته لتناول طعام الغذاء معه، فاستأذن من أمه، وذهب الى صديقه. وبينما هما جالسان يتحدثان، إذ يطرق باب الغرفة فتاة شابة، دخلت لتقدم لهم أطباق الحلوى... والحق انه لم يستطع منع نفسه من الإعجاب بجمال الفتاة، وبجمال حجابها الذي زادها نوراً وبهاءً، تحدثت مع صديقه بصوت خافت ولكأنه همس، وقالت له أن والدته تريده. وزاد من إعجابه بها أنها لم تنظر اليه، وإنما وجهت نظرها الى صديقه، ثم الى الأرض في إستحياء وتهذيب. ثم خرجت هي وصديقه، وأغلقا الباب خلفهما.
وبعد دقائق، عاد صديقه، ولم يستطع هو منع شغفه من السؤال عمن تكون الفتاة... قال له صديقه إنها أخته التي تصغره بأربعة أعوام، تلك التي سافرت في بعثة دراسية مع صديقاتها منذ عام تقريباً، ولم تعود الا منذ أربعة أيام فقط. قال له أن مؤهلها الدراسي العالي مطلوب هنا، لذا، فقد كانت الوظيفة بإنتظارها بمجرد عودتها من الخارج.
صمت قليلاً، ثم بدأ الإثنان في أكل الحلوى.
حرك الصديق رأسه وكأنه تذكر شيئاً هاما، ثم قال لفتانا:
" آه نسيت أن أخبرك، عندما علمت أختي أتك تبحث عن عمل، سألت عن مؤهلك الدراسي، قالت لي أن أخبرك انهم بحاجة الى شاب ليشغل وظيفة المحاسب بالشركة التي تعمل بها. قالت أن موعد المقابلة مع المدير سيكون بعد يومين في مقر الشركة، في الثانية عشرة ظهراً "
ارتفع حاجباه في دهشة، فلم يكن يتصور ان تأتيه فرصة عمل على هذا النحو... سبحان الله ! لقد سمع أمه ذات مرة تدعو له فتقول:
" اللهم ارزقه رزقاً طيباً حسناً، من حيث لا يدري ولا يعلم. اللهم، يا رازق النملة، في جحر، في صخرة صغير، في جبل ضخم، في صحراء قفر، لا تغفل عينيكَ ولا تنام، ارزقه رزقاً صالحاً، تقر به عينيه، وتمنحه الطريق لطاعتك "
وها هو يرى دعاءها قَد استجيب، ولكنه لا يجب أن يتعجل، وعليه أن يأخد بالأسباب، ثم يترك الباقي الى توفيق الله.
مر اليومان، وذهب الى مقر العمل، ووجد المكتب خالياً والمدير في إنتظاره، فسرد له مؤهلاته وقدراته، فإذا بالمدير يتبسم ويوقع معه عقد عمل دائم في الشركة... قال له المدير انهم هنا – في الشركة – أسرة واحدة، يتقابلون يومياً على موعد الغذاء وعند كل صلاة، وكم كانت فرحته عندما سمع ذلك.
ذهب الى بيته، وقص على أمه كل شيء بالتفصيل، ففرحت الأم فرحاً شديداً، واحتضنته في حنان، ودعت له الله أن يسدد خطاه.
وفي اليوم التالي مباشرةً، ذهب ليبدأ العمل...
ومرت الأيام، ثم الشهور، ثم عام، ثم الثاني، وقد انتقل من حال الى حال... فسكن في بيت أخر، وابتاع سيارة صغيرة، واشترى لأمه الهدايا، التى أسعدت قلبها. ولكنه ابداً لم ينسى ربه، كان دائم الشكر والعرفان بالنعم، دائم التصدق بما أنعم الله عليه.
ومع إنتهاء عامه الثاني في الشركة، صارح أمه بإعجابه الشديد بأخت صديقه، فإنشرح صدرها، وبكت فرحاً، فها هو ولدها الوحيد، أصبح رجلاً، يشار اليه بالبنان في حسن الخلق، وها أصبح مهيئاً تماماً للزواج والإنجاب، فكم تمنت ان يكون لها أحفاد، تقر بهم عينها قبل أن يتوفاها الله.
وذهبوا اليوم التالى الى بيت الفتاة، وطلبوا يدها من أبيها، فوافق أهلها، وارتفعت الـ (زغاريد)...
وصلى الجميع شكراً لله، فقد رزق الفتى بغير حساب، رزقاً حسناً، فضاعف من شكره وامتنانه، وصبره على البلاء.
النهاية.

4 comentarios:
واااااو
مش ممكن دي من تاليفك ؟؟؟
لا بجد جااااااااااااااااامده ربنا يكرمك يا شيخه كنت متدايقه
والقصه........امممم طمنتني لان انا نسيت لفتره اللي كنت مؤمنه بيه من زمان وهو وهو الخيره فيما اختاره الله وانت عارفه انا مخنوقه من ايه
بجد حبيتها تسلم الايادي يا قمر
ربنا يخليكي ليا يا رورو
انا مبسوطة اوي انها عجبتك وأثرت فيكي
(K)(K)
بجد جامه جدااااااااااااً مش ممكن يا بنتي انتي خساره في البلد ده ز ههههههههههه طبغا انا بهزر بس بجد ربنا يوفقك
هههههههههه الله يكرمك ده بس من زوقك
إرسال تعليق